الخميس، ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٦

السلسلة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

السلسلة
قصة محمود البدوى

كان سليم آخر العنقود فى أسرة البحيرى .. وكما يدلل الأبن الأصغر فى كثير من الأسر المصرية حتى يطرى عوده ، ويفسد .. دلل سليم حتى فسد .. وفشل فى دراسته فرسب ثلاث مرات فى امتحان التوجيهية .. وفصل من المدرسة ..

ولما علم والده برسوبه وفصله أستشاط غيظا وأخذ يحرق الأرم ..

فقد بذل كل ما فى وسعه من مال وجهد ليستقيم عود ابنه ويفلح .. ولكن ذهبت كل هذه الجهود مع الريح ..

ودخل سليم البيت بعد الظهر ليتغدى كعادتة .. فألفى والده فى أشد حالات الغضب وأمسك به قبل أن يقرب من الطعام وما زال يضربه بقوة حتى أدماه وهرب الفتى وهو يصرخ .. وأختفى من القرية .. ثم رجع ذات ليلة متسللا فأخفته أمه عن عين أبيه حتى خرج الوالد .. فى بكرة الصباح إلى مزارعه ..

وأنتهز سليم هذه الفرصة لينفذ ما أعتزم عليه وغافل أمه وسرق منها مفتاح الدولاب .. حيث يضع والده بعض النقود للمصاريف البيتية فوجد مائة جنيه .. فأخذها وإنطلق إلى المحطة لا يلوى على شىء ..

وتحرك به قطار الإكسبريس من محطة المنيا وهو يود لو سابق الريح .. كان قد أنتوى الإختفاء فى القاهرة .. فى حى الحسين حيث الزحام والفنادق الرخيصة ..

ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان .. فإن صاحب الفندق لم يقبل أن ينزل عنده بأقل من خمسين قرشا للسرير فى الليلة لأنه لم يحمل بطاقة .. وسيغامر ولا يقيد أسمه فى سجل النزلاء .. ورضى سليم .. ولكن إقامتة لم تطل فى القاهرة أكثر من عشرة أيام .. فقد التقى به الشيخ عبد الحافظ فى مقهى بشارع الأزهر .. وأخبره أن والده عرف مكانه وأرسل ابن عمه عبد التواب ليبحث عنه ويرده مكبلا بالحديد ..
فطار مفزوعا وأخذ أول قطار إلى الإسكندرية ..

وفى ميدان المنشيا اتخذ سبيله إلى فندق إعتاد التردد عليه .. فوجد الإدارة قد تغيرت وطلب منه كاتب الفندق البطاقة قبل أن يعطية مفتاح الغرفة فسقط فى يده ..
واتجه إلى فندق آخر .. فطلبوا نفس الشىء ..
فخرج مستاء .. إذ لم تكن هذه المسألة فى حسبانه قط .

وظل يمشى متجها إلى محطة الرمل وكانت الأنوار تلمع فى الشوارع والحوانيت تعرض فى واجهاتها أجمل ما عندها من سلع .. وكان عقله يحدثه بأن يعود إلى المحطة .. ويسافر إلى طنطا أو المنصورة .. وأخيرا رأى أن يذهب إلى منطقة الرمل حيث تكثر ألوف الغرف المفروشة ولا يعقل أن يطلب منه البطاقة هناك أحد ..

وركب ترام الرمل وهو لايزال يشعر بالضيق والقلق .. ونزل فى محطة أسبورتنج قلب المصيف ..

ووقف على باب دكان قريب من المحطة يشترى علبة سجاير ويسأل البائع عن غرفة مفروشة ودله على سمسار فى الشارع الجانبى .. فاتجه إليه .. وخرج معه السمسار يرود المنطقة فى الليل .. وكانت الساعة تقترب من العاشرة وكلما شاهد غرفة طلب سليم غيرها أرخص وأنسب لحالة .. لأنه لن يبقى فيها لفترة الصيف فقط وإنما يقيم إقامة طويلة ..

وأخذ السمسار يقدح زناد فكره .. وكانت الشوارع لا تزال مزدحمة بالمارة ورصيف البحر يموج بالمصطافين .. وسارا على الكورنيش ولما دخلا منطقة كليوباتره .. تذكر السمسار غرفة هناك فى بيت قديم عند دوران مصطفى باشا ..

ووقف على الرصيف يسأل عن الغرفة .. وظهره إلى البحر .. وعينه على البيوت .. فسمع صوت أنثى يقول :
ـ توجد .. غرفة خلت من ساعة ..
وتلفتا فوجدا سيدة تطل عليهما من طابق أرضى لايعلو عن الشارع إلا قليلا ..

وكانت صبيحة الوجه فى حوالى الثلاثين من عمرها .. تلبس فستان البيت .. وتركت شعرها تداعبه النسمات الآتية من البحر ..
ودلتهما على الغرفة .. فى نفس البناية ..

وكانت لا بأس بها .. وإيجارها تسعة جنيهات فى الشهر .. فأخذها سليم دون تردد ..

ونام فيها إلى الضحى .. ولما استيقظ أحس بثقل رأسه .. كان يفكر فى السرقة وكيف أن والده لن يغفر له هذه الفعله أبدا ..

وأخذ يدور ببصره فى جوانب الغرفة .. وكانت صغيرة ولها نافذة مربعة تطل على الطريق ومرتفعة عن الأرض بمقدار متر ونصف المتر .. وبها سرير ومنضدة ودولاب من طراز عتيق .. ورأى المصطافين وهو مضجع على السرير .. وكان الصيف فى ضجيجه .. والموسم على أشده .. من الزحام ، ولكن هذه الجهة المتطرفة لم تكن فى معظم الحالات تزدحم قط .. لأنها تقع فى نهاية البلاجات الشعبية ..

وكان السكان فى الغرفة الملاصقة له مشغولين بالإستحمام فى البحر .. وبالأكلات الدسمة فلم يعيروه التفاتا .. وظل فى وحدته ..

وخرج ليأكل ويتمشى على البحر .. ثم ركب الترام إلى الإسكندرية ليشترى بعض الملابس الداخلية ولوازم أخرى إذ لم يكن يحمل معه أى شىء على الإطلاق ..

* * *

ومرت الأيام رتيبة .. وكان يقضى النهار فى منطقة الرمل ..
ولكنه فى الليل كان يشعر بالوحدة وبالفراغ .. فكان ينطلق إلى المدينة ويذهب إلى الملاهى والحانات ليسكر .. كان يشعر فى أعماقه بأنه ضائع ..

وكان قد نسى حادث السرقة بعد أن صرف نحو نصف ما سرقة فى أقل من شهر متبطلا شريدا لا يعرف له مقرا .. ولا مكانا فى الحياة ..

وفكر فى أن يبحث عن عمل فى الإسكندرية ما دام قد قطع صلته بالقرية .. ولم يكن يعرف أحدا يلحقه بعمل .. وأخذ وهو يلعب النرد مع شخص تعرف عليه فى مقهى البورصة يفاتحه فى الأمر .. فطلب منه هذا خمسين جنيها ستدفع إلى من يقوم بالوساطة .. وحدثه أن المرتب لن يقل عن خمسة عشر جنيها بحال .. وعليه أن يبحث عن غرفة خالية بأربعة جنيهات فى الشهر على الأكثر ليستطيع أن يعيش ويتدبر أموره .. وبعد محاورة ارتضى الرجل أن يأخذ ثلاثين جنيها مقدما ويدفع له الباقى عندما يتم التوظف ..

ودفع سليم ثلاثين جنيها .. على أن يوظفه فى مدى أسبوع .. وأرجأ سليم ترك الغرفة المفروشة .. والبحث عن غرفة خالية إلى ما بعد التوظف ما دام الأمر سيتم فى أسبوع .. وانقضى شهر كامل دون أن يوظف فأغتاظ .. وأختفى الرجل فى المنطقة فأدرك أنه وقع فى يدى محتال .. فزاد ألمه وغيظه .. وأخذ يقامر بالمبلغ الذى تبقى معه ليسترد نقوده الضائعة ولكنه كان يخسر دائما ..

وكان يعود فى الليل وحيدا ضائعاً .. فيجد الحى ساكنا .. وموج البحر يصفق وريح الخريف قد بدأت تزأر ..

وكان قبل أن يتوارى من خلف ضوء الشارع ويدخل فى الدرب الضيق.. يجد المرأة التى دلته على الغرفة واقفة أمامه فى الشباك تنظر إلى البحر نظرة حالمة ..

وكان عندما يظهر فى الدرب ويقترب من البيت .. يراها تنظر إليه وهو داخل .. وكان يتريث فى مشيته ليملأ عينيه منها ..

كانت رائعة التكوين ذات جسد رشيق وشعر فاحم وبشرة أنصع من بياض العاج وقد جعلتها شمس البحر كأنما أشربت بماء العسجد .. وكان صدرها النافر يطل من الشباك .. كأنه يود أن يرتمى فى الماء ليبترد ..

وفى كل ليلة كان يراها وهو عائد بمفرده إلى غرفته .. إنها كانت دائما هناك .. بصمتها وسكونها .. وعيناها المفتوحتان تحملق فى البحر .. كأنها تترقب أحدا على سفينة ..

وكان يتصورها وحيدة فى مسكنها ثم رأى فى داخل الشقة سيدة أخرى مسنة .. قريبة الشبه منها .. وعرف إنها أمها .. وكانت السيدة العجوز .. تقوم بكل أعمال البيت .. وتركت الشابة الجميلة تنعم بمنظر البحر ..

وفى أمسية من أمسيات الخميس رأى رجلا سمينا يفتح شقة السيدة بمفتاح فى جيبه .. وكان قصيرا مربوعا .. غليظ العنق ضخم الكرش .. وله وجنتان منتفختان وعينان ضيقتان ..

ورآه يخرج مع السيدة فى صباح الجمعة وينطلقان فى اتجاه البحر ..

وعرف إنه زوجها ويشتغل فى شركة السكر بالحوامدية .. وإنه مستأجر هذه الشقة خالية طوال العام بإيجار رخيص .. وتبقى زوجته ومعها أمها فيها إلى منتصف أكتوبر .. ويزورهما هو كلما سمح له عمله ..

* * *

واستمرت هذه العلاقة الصامتة بين سليم وبين جارته التى دلته على الغرفة مدة شهر بطوله .. دون أن يتبادلا كلمة واحدة .. إلى أن حدث أن كانت والدتها فاتحة باب الشقة وواقفة فى مدخل البيت .. تتحدث مع جارة لها فدفع الهواء الباب فإنغلق ..

وكان المفتاح بالداخل .. وسعديه أبنتها فى الخارج .. فذعرت الأم وحارت ماذا تفعل .. وجاءت سعديه وعرفت الخبر ووقفت بجانب أمها تفكران فيما تفعلانه فى هذا الليل ..

ودخل سليم من الباب ورأى ما هما فيه من حيرة وارتباك .. فكان هو المنقذ .. وأخذ يعالج الباب الخارجى ولكنه استعصى عليه .. فاضطر أن يتسلق من نافذة المطبخ الداخلية المطلة على المنور ودخل الشقة وفتح لهما الباب ..

ودخلت السيدة سعديه ووجدته واقفا أمامها .. وظل واقفا فى ردهة بيتها لحظات وهى تتأمله وجها لوجه ، ولأول مرة تراه بقامته الطويلة وصدره العريض وجسمه المفتول .. ولأول مرة تسمع صوته الخشن .. وأشاع هذا كله الأضطراب فى أعصاب المرأة الشابة ..

وأخذ منذ حادث الباب يبادلها التحية وهو خارج من البيت وراجع إليه .. وكانت ترد عليه فى ابتسامة ناعمة ..

وإذا سمعها تنادى على بائع من النافذة .. خف سريعا إليها وعرف ما تطلبه وحمل إليها الأشياء بنفسه إلى داخل الشقة .. وانصرف على الفور ..

وكانت تتمنى لو بقى ليحادثها قليلا فإنها كانت تشعر بالوحدة المرة .. رغم وجود أمها معها .. ولكنها كانت تتوق إلى محادثة رجل .. محادثة رجل له لطف وإيناس هذا الشاب .. لينسيها متاعبها مع زوجها .. ويدخل السرور على قلبها .. فإنها منذ تزوجت وهى فى خلاف ومنازعات معه ..

وفى الفترة القصيرة التى يأتى فيها لمدة يوم أو يومين يمرضها بسوء معاملته حتى ملت عشرته وكانت تبقى فى الإسكندرية إلى منتصف أكتوبر أو نهايته وتدفع إيجار الشقة من إيرادها الخاص .. لتكون بعيدة عن بيتهم فى الحوامدية ولتريح أعصابها أربعة شهور كاملة ..

وكانت لا تحب الإختلاط .. وتتوق إلى الوحدة .. لتتأمل نفسها .. وتتأمل ما حولها .. ولكنها أحست بحاجتها إلى محادثة رجل .. تحادث أى إنسان له لطف وإيناس سليم ..

ولكن سليما لم يكن يبقى إلا لحظات .. ثم يمضى .. يشيع فى نفسها الاضطراب ثم ينسحب بهدوء ..

وكانت ترقبه وهو يمضى بجسمه الفارع .. ولم تكن تدرى ما الذى يعمله على التحقيق .. فسنه أكبر من سن الطالب .. ولكنه لا يشتغل .. يبدو متعطلا لا عمل له ..

فهى تراه يعود إلى البيت مرة فى الظهر ومرة فى العصر .. ومرة بعد منتصف الليل .. لم تكن له مواقيت إطلاقا .. فهو من غير شك متعطل .. وأعجبت به لأنه متعطل وإنه ينطلق على هواه .. وكانت تود أن تنطلق مثله وتذهب إلى كل مكان .. وفى محبسها كانت تشعر بالتعاسة .. وفى خلال تسعة أعوام من الحياة الزوجية كانت تشعر بالكآبة .. لم يضحك قلبها فى خلالها مرة واحدة ولم تتفتح براعم نفسها لكلمة حلوة نطق بها الرجل الذى ارتبطت به .. وحتى عندما يجئ إلى المصيف وفى خلال الأيام القصيرة التى يقضيها معها كلما فرغ من عمله .. كان ينكد عليها عيشتها ويثور فى وجهها كالزوبعة محملة بالتراب والهباب ..

وذات مساء وكانت سعديه ساهرة تطل من وراء النافذة إلى البحر والكورنيش .. رأت سليما عائدا وحده وكان يمشى متثاقلا ويبدو حزينا .. مثقلا بالهم على غير ما رأته من قبل .. وأحست بالعطف عليه وإنها يجب أن تشعره بعطفها .. فحملت له طبقا من الحلوى صنعته بنفسها ..

وتناول من يدها الطبق وهو ينظر إلى عينيها وشعرها وصدرها والعطر الأنثوى من جسدها ..

وكانت تود أن تخرج هاربة بالسرعة التى دخلت بها .. ولكنه أشار إلى الكرسى لتستريح فى حجرته الصغيرة ، فلم تجلس ووقفت تحادثه .. وتنظر إلى عينية وشبابه وخلوته فى تلك الغرفة الصغيرة بعيدا عن الأنظار ..

وحدثها عن بلده وعن رسوبه فى الإمتحان وعن سبب مجيئه إلى الإسكندرية .. ولكنه كتم حادث السرقة ..
وشعرت المرأة بعد حديثه بعطف أكثر عليه ..

وسألته بحنو وبساطة :
ـ وكيف تعيش .. ؟
ـ معى بعض النقود وسأبحث عن عمل ..
ــ هل تشتغل فى شركة السكر .. ؟
ـ أين .. ؟
ـ فى الحوامدية .. سأحدث زوجى ..
ـ لا .. لا تحدثيه بشأنى .. سيسألك ما علاقتك به .. هل هو قريبك .. وستجرين على نفسك المتاعب ..
ـ سأقول إنه جارنا ..
ـ أن هذا لا يكفى .. أرجوك .. لا تسيئى إلى نفسك ..
ونظر إليها فاحمر خداها والتهبا ..

وازداد عطف المرأة على الشاب لما علمت بسوء حظه .. وفتحت صدرها له .. وأستغل الشاب تلك المعاملة الكريمة فأخذ يتودد إليها ويحادثها فى رقة ..
وكلما رأته أرتعشت ثم تنظر إليه نظرة غريبة ..

رآها أمامه ساكنة تحدق فى وجهه وتود أن تقول له شيئا ولكنها تعجز عن النطق به ..

إنها كانت هناك دائما فى نافذتها ترقبة بصمتها ..

* * *

وفى ذات ليلة .. عاد متأخرا .. وكان مغموما وقد أحس بنقوده قاربت على النفاد .. وازداد غما أنه غازل امرأة تسير وحدها فى طريق الكورنيش فردت عليه بغلظة وقالت له :
ـ امش يا جعان .. واشتر لك قميصا قبل أن تغازل ..
وشعر بطعنة كالخنجر ..
لقد ردته المرأة إلى واقعه .. وسيجوع فعلا ولا يجد ثمن القميص .. وارتعش بدنه لهذا الخاطر ..

ورأى سعديه كعادتها جالسة قرب النافذة ووجهها إلى البحر ونظرها إلى الفضاء .. وراقب خيال أمها فى داخل الشقة فلم يره .. فأدرك أن العجوز قد نامت ..

وظل واقفا على الحاجز ينظر إلى البحر .. وفكره مع المرأة التى طردته بقسوة .. والمرأة التى خلفه هناك على بعد خطوات منه .. وأخذ يدخن .. أن أفتقاره إلى المرأة ألهب حواسه .. ورآها تنظر إليه تراقبه من بعيد .. كأنها تناديه ..

كانت خصائل شعرها محلولة .. وثوبها الفضفاض أشبه بقميص النوم، واسع العروة قصير الأكمام يداعبه هواء الليل ويترك جسمها ينطلق على حريته ..

وبصر بذراعيها العاريتين تسحبان دلفتى النافذة إلى الداخل ..
وبعد لحظات أنطفأ نور الغرفة فأدرك أنها دخلت الفراش ..

وظل يروح ويجئ فى مكانه فى خط واحد كأنه يقيس أبعاد الأرض بقدميه .. وكان البحر يهدر بجانبه ولكنه لا يسمع هديره كأن حسه كله هناك فى الغرفة التى أظلمت منذ لحظات ..

وقد الهبت حواسه الرائحة المنبعثة من البحر .. وتخيل العطر الأنثوى ، من جسد المرأة فظل فى مكانه شاردا لا يطرف .. ثم تحرك فى اتجاه الكازينو ووجده ساهرا وكان يود أن يجلس هناك ليشرب شيئا ، ولكنه أحس بقلة النقود فى جيبه وهو فى حاجة إلى الطعام أولا ليعيش ويتحرك ، فظل يمشى على البحر ..

ولما ارتد إلى مسكنه كانت الساعة تقترب من الأولى صباحا .. وفتح خياشيمه لليل وهواء البحر .. وعندما دخل من الباب لم يتجه إلى غرفته وإنما ظل واقفا فى ردهة البيت ، وعيناه تبرقان فى الظلام ..

وكما يفعل اللص تماما، اتجه إلى المنور وإلى مطبخ السيدة وعالج النافذة الصغيرة سريعا ، ثم علا وقفز منها إلى داخل الشقة وظل قابعا فى الظلام ملتصقا بالحائط حتى يتبين أن سعدية تنام وحدها .. وبعد دقيقة واحدة رأته بجانب فراشها .. وكانت متيقظة فى خوف كأنها تتوقع منه هذه الحركة .. فلم تصرخ وردت الباب حتى لا تسمع أمها أى حس .. كان الخوف يشل كل حركة لها ..

* * *

وعندما خرج متلصصا كما جاء ، لم تسرح شعرها المنفوش ولم تسو طيات ثوبها .. كان عقلها يود أن يبقى الأثر إلى الصباح ..

وفى الليلة التالية جاءها متسللا من المنور ، فلم ترده ولم تصرخ .. وظلت العلاقة بينهما أشبه بمد البحر .. ظل البحر يحملهما على موجه .. ويدور بهما مع مهب الريح العاصف ..

* * *

ولم تعد سعدية تحسب حساب أمها النائمة فى الغرفة المجاورة أو تحسب حساب أى إنسان آخر .. أنطلقت مع أنوثتها كأنما مسها السعار ..

وكانت سعدية تشعر بأنه جائع ومحروم وعاطل ، وإليها يلقى به موج البحر .. كما يحمل موج البحر العشب الميت والعفن إلى الساحل ولكنها لم تكن تشتم العفن ولا تراه .. كانت تعيش بحواسها المخدرة ..

وذات ليلة لمح وهو يسوى شعره ساعتها فى غرفتها على منضدة الزينة .. فوضعها فى جيبه بهدوء ..

وعرفت فى الصباح إنه سرقها .. ولكن لم تحدثه قط ..
ولما جاء زوجها وسألها عن الساعة قالت له إنها سقطت من يدها فى الترام دون أن تشعر ..

ومر الحادث بسلام .. وكانت تعرف أن سليما باع الساعة ليأكل بها .. فأخذت تعطيه النقود بسخاء دون أن يطلب منها ذلك ..

واستمرأ هذه العلاقة ولم يعد يفكر فى العمل أو فى أى شىء آخر ..

وكان فى الساعات التى ينفرد بها فيها .. ويحسان بالخلوة وأن العالم لهما وحدهما يحدثها عن عواطفه وما ينطوى عليه صدره ..

وحدثها عن والده وكيف كان يدللـه وهو صغير حتى فسد ثم أصبح يخافه خوفه من الموت لأن التدليل والحنان انقلبا فى يوم وليلة إلى قسوة وحشية وأصبح يضربه بقسوة بالسوط ..لأدنى سبب ..

وقال لها معللا فشله ..
ـ ومن الخوف من أن يضربنى بالسوط .. رسبت فى الإمتحان .. ومن الخوف من سوطه فشلت فى كل خطوة فى الحياة .. وجاء أخيرا الرجل الذى ضحك على وأخذ منى كل ما معى من نقود ليوظفنى .. وكنت وأنا صغير أود أن ألقى بنفسى فى ماء النيل وأستريح من كل عذاب .. ولكننى عشت معذبا وأنا أكتم كل أحاسيسى فى نفسى ..
وجئت إلى هنا طريدا لأجد عطفك ..

وأمسك بيدها ..
ـ لا تفكر فى شىء ..
قالت هذا بعذوبة ..
ودفن رأسه فى صدرها .. وأخذ يبكى ..

* * *

ومنذ تلك اللحظة أصبح لا يمر يوما دون أن يلتقيا ولكنها كانت تتجنب السير معه على سيف البحر وتحسب لذلك ألف حساب ..

أما إذا أرخى الليل سدوله وهدأت الكائنات فإنها كانت تتوقع قدومه إليها فى كل لحظة فى منتصف الليل وفى أخرياته وقبيل الفجر فى كل الحالات كان يأتى وتتلقاه بخوف .. فإنها فى كل لحظة كانت تتوقع إستيقاظ أمها أو عودة زوجها من السفر فجأة ولهذا الخاطر كانت أعصابها تشد كما يشد الوتر على الكمان ثم تسترخى وتروح فى مثل الغيبوبة بين ذراعيه وهى مغمضه عينيها .. وتظل العينان مغمضتين حتى بعد أن يتسلل إلى الخارج هاربا وتحس بلفحة الهواء البارد تهب على وجهها فى الفترة التى يفتح فيها الباب.. ويمضى كالسهم وفى خلال أربعين يوما أحست تماما بأنها قد رجعت إلى طاحونة جدها الشيخ عبد الفتاح عندما كانت تذهب مع الخادمات لطحن القمح وتجلس بجانب « الكادوس » وترى الحجر الثقيل يلف والحب يتساقط ويدور تحت الرحى فى مثل الدوامة ..

وكانت تشاهد هذا المنظر والجعجعة تصم أذنيها والصداع يمزق راسها ..
ولكنها مع ذلك كانت فى كل مرة تذهب وهى منتشية ..

وقد رجعت الآن إلى الطاحونة وفى كل مرة ينتابها الصداع من الخوف ومن وقع المفاجأة .. ولكنها لا تستطيع غلق الباب لأنها وقعت تحت سيطرته تماما ..

وقد جعلها الإحساس الغريزى تفكر فى أن تضع الغطاء على رأس أمها وهى نائمة إلى الحد الذى يكتم أنفاسها وعجبت أن يسرح بها التفكير إلى هذا الحد .. ولكنها كانت تسير بقوة لا تستطيع ردها ..

* * *

وهبت ذات ليلة من نومها مذعورة على حلم مزعج .. فقد حلمت أن زوجها يخنقها فى الفراش وهى تصرخ وجاءت أمها على صراخها وخلصتها من قبضته ..

وفتحت عينيها فوجدت أمها على السرير ..
ـ مالك يا بنتى .. ؟
ـ لا شىء .. يا أماه .. كابوس .. وقد ذهب ..

وظلت أمها فى الغرفة ولكنها تضايقت من وجودها :
ـ أريد أن أنام يا ماما .. اتركينى أرجوك ..

وتكورت .. دون أن تضع الملاءة الخفيفة على جسمها ..
وبعد ساعة فتح زوجها الباب ودخل .. وظنها نائمة .. فخلع بذلته وتمدد بجوارها دون أن يوقظها ..

وغفى الزوج .. ثم تنبه على سقوط شىء على الأرض .. وظن قطة دخلت من نافذة المطبخ لتلعق بقايا الطعام .. ولكنه لما حرك عينيه ونظر فى الظلام رأى شيئا يقترب من غرفته ..

فنهض من الفراش سريعا .. وجرى الشبح فى الصالة ولكن الزوج أمسك به وتصارع الرجلان فى الظلام صراعا رهيبا فى صمت دون أن يتبادلا كلمة واحدة وكل واحد منهما يضرب رأس الآخر بكل ما يقع تحت يده ..
وأخيرا سقط الزوج صريعا مضرجا بدمه ..

ووقفت الزوجة وأمها تصرخان فى قلب الليل الساكن وفر الرجل الآخر.. فر سليم لا يلوى على شىء وهو يعدو عدو المجنون وقميصه ممزق ملطخ بالدم .. ولما وجد ثغرة فى سور الكورنيش قفز إلى البحر وغاص بحذائه فى الماء وظل يبتعد عن الشاطئ وهو يبحث بيديه وقدميه عن حفرة تحتوى جسمة كله ..

وسمع صفارة تزعق .. ورأى الناس يجرون على الساحل ويقتربون منه .. على شكل حلقة .. ولكنه لم يعد يخافهم فى هذه اللحظة فقد قطع السلسلة التى كانت تربطه بهم وبالحياة ..

وقد راح فى الدوامة ولم يعد يدرك ما حوله .. ولا يحس بأى شىء على الإطلاق ..
================================
نشرت القصة بمجلة آخر ساعة 13/9/1961وأعيد نشرها فى المجموعة التى تحمل اسم " عذراء ووحش " لمحمود البدوى عام 1963 وبمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
=================================




ليست هناك تعليقات: